عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
84
اللباب في علوم الكتاب
المشهورة في كون سبب النّزول ، هو اختلافهم في أنّه : هل يجوز إتيانهنّ من دبرهنّ في قبولهن ؛ وسبب النّزول لا يكون خارجا عن الآية ، ومتى حملنا الآية على هذه الصّورة لم تكن الآية نزلت على ذلك السّبب . ويمكن الجواب عن هذا : بأن الاعتبار بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب ، فإن السّؤال قد يكون خاصّا والجواب عامّا ، وهو كثير . قوله : « وَقَدِّمُوا » مفعوله محذوف ، أي : نيّة الولد ، أو نية الإعفاف ، وذكر اللّه أو الخير ؛ كقوله : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ [ البقرة : 110 ] . وقال عطاء عن ابن عبّاس : هي التّسمية عند الجماع « 1 » . قال ابن الخطيب « 2 » : وهذا في غاية البعد ، والّذي عندي فيه : أن قوله : « نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ » جار مجرى التّنبيه على إباحة الوطء ؛ كأنه قيل : هؤلاء النّسوان إنّما حكم الشّرع بإباحة وطئهنّ لكم ؛ لأجل أنّهن حرث لكم ، أي بسبب أن يتولّد الولد منهن ، ثم قال بعده : « فَأْتُوا حَرْثَكُمْ » ولا تأتوا غير موضع الحرث ؛ فكان قوله : « فَأْتُوا حَرْثَكُمْ » دليلا على الإذن في ذلك الموضع ، والمنع من غير ذلك الموضع ، فلمّا اشتملت الآية على الإذن في أحد الموضعين ، والمنع من الموضع الآخر ، لا جرم قال : « وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ » أي : لا تكونوا في قيد قضاء الشّهوة ، بل كونوا في قيد تقديم الطّاعة ، ثم إنه - تعالى - أكّد ذلك بقوله : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » ، ثم أكّده ثالثا بقوله : « وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ » ، وهذه التّهديدات الثّلاثة المتوالية ، لا يليق ذكرها إلّا إذا كانت مسبوقة بالنّهي عن شيء لذيذ مشتهى ، فثبت أن ما قبل هذه الآية دالّ على تحريم هذا العمل ، وما بعدها أيضا دالّ على تحريمه ؛ فثبت أنّ الصّحيح في تفسير هذه الآية ، ما ذهب إليه الجمهور . قوله : « لأنفسكم » متعلّق ب « قدّموا » ، واللام تحتمل التعليل والتعديّ ، والهاء في « ملاقوه » يجوز أن تعود على اللّه تعالى ، ولا بد من حذف مضاف ، أي : ملاقو جزائه ، وأن تعود على مفعول « قدّموا » المحذوف . وتقدّم الكلام في التّقوى ، وتقدّم أيضا تفسير لقاء اللّه في قوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] . والضمير في « وبشّر » للرّسول عليه الصلاة والسلام لتقدّم ذكره في قوله : « يسألونك » قاله أبو البقاء « 3 » ، وفيه نظر ؛ لأنّ ضمير الخطاب والتكلّم لا يحتاج أن يقال فيهما : تقدّم ذكر ما يدلّ عليهما ، ويجوز أن يكون لكلّ من يصحّ منه البشارة .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 417 ) عن ابن عباس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 478 ) عن ابن عباس وعطاء وزاد نسبته للخرائطي في « مكارم الأخلاق » عن عطاء . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 64 . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 94 .